حسن حسن زاده آملى
61
الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة
حينئذ علم كل شيء ، وصارت الأشياء كلّها بارزة لها كمثل ما هي بارزة للبارى عزّ وجلّ ؛ لأنّا إذا كنّا ونحن في هذا العالم الدنس ، قد نرى فيه أشياء كثيرة بضوء الشمس ، فكيف إذا تجرّدت نفوسنا وصارت مطابقة لعالم الديمومية ، وصارت تنظر بنور الباري فهي لا محالة ترى بنور الباري كلّ ظاهر وخفيّ ، تقف على كل سرّ وعلانية . أقول : وعلى هذا المنوال جاء في كتاب اخوان الصفاء : أنّ النفوس السعيدة إذا فارقوا الأبدان صاروا ملائكة ، والنفوس الشقية إذا فارقوها صاروا شياطين وأجنّة ، وكما إذا غلب عليه الغضب والشهوة صار سبعا وبهيمة . وكذا قال الشيخ البهائي في الأربعين : والعجب منك انّك تنكر على عبّاد الأصنام عبادتهم لها ، ولو كشف الغطاء عنك ، وكوشفت بحقيقة حالك ، ومثل لك ما يمثل للمكاشفين إمّا في النوم أو اليقظة لرأيت نفسك قائما بين يدي خنزير ، مشمّرا ذيلك في خدمته ، ساجدا له مرّة ، وراكعا أخرى ، منتظرا إشارته وأمره ؛ فمهما طلب الخنزير شيئا من شهواته ، توجّهت على الفور إلى تحصيل مطلوبه وإحضار مشتهياته ، ولأبصرت نفسك جاثيا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا لما يلتمسه ، مدققا للفكر في الحيل الموصلة إلى طاعته وأنت بذلك ساع فيما يرضى الشيطان ويسرّه فإنّه هو الذي يهيّج الخنزير والكلب ويبعثهما على استخدامك ، فأنت عن هذا الوجه عابد للشيطان وجنوده ، ومندرج في المخاطبين المعاتبين يوم القيامة بقوله تعالى أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وكذا قال ابن مسكويه في طهارة الأعراق : إن أصح مثل ضرب لكم من نفوسكم الثلاث ( أي النفس الناطقة ، والنفس السبعية ، والنفس البهيمية ) مثل ثلاثة حيوانات مختلفة جمعت في رباط ( في مكان - خ ل ) واحد : ملك وسبع وخنزير فأيّها غلب بقوته قوة الباقيين كان الحكم له . ( طهارة الأعراق في حاشية مكارم الأخلاق للطبرسي ، ط 1 ، ص 51 ) .